ألف خطوة وخطوة
وما الحياة إلا مغامرة
1 – رويان Royan
رويان أو روايون بالنطق الفرنسي هي تلك المدينة إن صح تعبير المدينة عليها وتقع على الساحل الغربي لفرنسا على المحيط الأطلنطي، وجهتي إليها كانت في اليوم الثالث بعد وصولي إلى باريس والإنتهاء من أوراقي الرسمية والإنتقال إليها للبدأ في دراسة اللغة الفرنسية حيث يتواجد بها أحد أفضل معاهد اللغة الفرنسية وتبلغ شهرته عالميا ويستقطب العديد من الجنسيات وبالطبع أحدها أنا.
في الليلة السابقة لإنطلاقي إلى رويان وبعد أن انتهيت من العشاء مع اصدقائي توجهت نحو الفندق الذي كنت أبيت فيه وهو على شارع كليبر بالقرب من قوس النصر، كانت الساعة تقارب العاشرة مساء، كنت أسير وحيدا مخترقا طريق فيكتور هوغو لأصل إلى قوس النصر، الليل و البرودة الموحشة لا أعلم سوى أني كنت أسير بخطوات متسارعة لا أسمع سوى صوت أنفاسي وهي تتخلل الوشاح الذي كنت أقي به وجهي من لسعات البرد، الآن أنا أكتب هذه الكلمات ودرجة الحرارة أمامي 2- ولكن هناك فرق أنا أكتب الآن بعد أن أمضيت ثلاث سنوات هنا حتى أصبحت جزءا من الوضع الذي اتعايش معه.
كم هي قاسية الذكريات لا ترحمنا، هي أمواج وسيول وعواصف أفكار تعود إلينا عندما نحاول البحث عنها ولكن الكثير منها بالفعل لا يمكننا أن ننساه، أنا لن أنسى أي تفاصيل في هذه الرحلة على رغم مرور سنوات عليها ولكن هي مازالت تعيش بداخلي واسترجاعها مؤلم، ولكن قد تكون هذه المساحة هي الوسيلة الوحيدة التي يمكن من خلالها أن أخرج جميع تلك الذكريات وأضعها هنا بدلا من أن تبقى عالقة بداخلي.
عدت إلى الفندق ولن أذكر هنا سوى أسماء الأماكن التي تستحق الذكر ، فالفندق الذي كنت فيه لا يرتقي لمستوى التفكير وليس الكتابة عنه وهو بالمناسبة رشح لي من قبل الملحقية وعلى حسابي الخاص وهو أغلى من الآخرين ( لا تعليق )!
عندما صعدت إلى غرفتي الصغيرة، وضعت ملابسي جانبا وفتحت الجوال، هنا بدأت الدموع تتساقط من عيني، فقد كنت أضع خلفية الشاشة صورة لأبنائي وبناتي وهنا تأتي النصيحة الأةلى في أوائل قترات الإغتراب لا تضع أمامك أي شيء يذكرك بمن تحب فقط في الفترات الأولى، اتصلت بهم ، أخبرتني زوجتي أنهم نيام ( صعبة هي تلك الذكريات حتى الآن أتوقف قليلا عندما أكتبها ) تركتها وتركتهم ولكن لم يتركوني.
فتحت التلفاز لا أجد سوى محطة واحدة تناسبني هي البي بي سي باللغة الإنغليزية أخبار متفرقة والخبر الأهم عن عطل أو محاولات تخريبية في سكك القطار في فرنسا وخاصة المتجهة إلى الجنوب، لم أكترث حينها ولكن في اليوم التالي وأنا أتجه إلى رويان سأعرف أهمية هذا الخبر وخصوصا أنه يصاحبه في نفس الأيام أحد أكبر التظاهرات في فرنسا منذ سنوات، جميع طرق المواصلات شبه مشلولة والتظاهرات بالنسبة للشعب الفرنسي كالماء والهواء لا يستطيعون العيش بدونه كما سيأتي لاحقا.
أقفلت التلفاز تأكدت من حقيبتي اليتيمة واستسلمت للنوم في انتظار الغد كي أذهب إلى محطة القطار لأصعد إلى القطار المتوجه إلى رويان في أول رحلة لي هنا في فرنسا وما صاحبها من أحداث لن أنساها وكأن فرنسا تكشر عن أنيابها لي في بداية مشواري هنا في الألف خطوة وخطوة.

اخر التعليقات