ألف خطوة وخطوة
وما الحياة إلا مغامرة
0 – نقطة الصفر
القراءة هي جزء من حياتي لا أستطيع أن أتغلب عن حالة الإدمان التي أعيشها بداخل كل كتاب أو أي شيء يقع بين يدي منذ صغري وأنا أقرأ أي شيء، أنا أؤمن أن القراءة هي أحد العناصر المهمة للحياة كالهواء والماء.اليوم أقرأ أحد الكتب التي كنت قد اشتريتها من جدة قبيل أحد رحلاتي لأستخدمه في تمضية الوقت وأنا أتنقل بين المطارات ومحظات القطار و الباصات و المترو هذا ما تعلمته من سنوات اغترابي هنا الكل يقرأ في أي مكان، الصغير قبل الكبير في كل مكان، كنت أحسب قديما أن القراءة يجب أن تكون في مكان هادئ تحت ظروف معينة هكذا تعلمت، طوال الخمس وعشرون عاما السابقة هي هذه علاقتي مع القراءة ولكن هنا كل شيء يتغير.
اليوم ها أنا أبدأ كتابة هذه الخطوات بشكل تفصيلي على فترات متتالية أرجو أن تكتمل قبل عودتي إلى وطني، أعود وأنا أمسك بالكتاب بين يدي شعرت بالبرد الشتاء هنا مؤلم ، لمحت على شاشة الكمبيوتر أمامي درجة الحرارة صفر، توقفت قليلا أمام الدرجة فكل شيء في حياتنا يبتدأ من الصفر ويعاود الإنطلاق ، يوم ولادتنا هو يوم الصفر في تاريخنا، كل مشروع أو خطوة في حياتنا لابد وأن تبدأ من نقطة الصفر .هنا قررت أن أبدأ من نقطة الصفر وأن أكتب وأستمر في الكتابة إلى أن أقتنع بأني وفيت بالعهد الذي قطعته بالكتابة عن هذه الخطوات التي قضيتها هنا في فرنسا متنقلا من وسطها إلى غربها، من شمالها إلى جنوبها.أعرفها أكثر مما أعرف أي مكان آخر عشت فيه، ربما لأني عشت فيها وحدي فقد كنت أحاول أن أمحي آلامي أو أحزاني بالهروب إلى أقرب محطة مترو ، قطار أو باص فقط كي أستمر بالحركة في محاولة يائسة مني لعبور الزمن من خلال العديد من التجارب التي عشتها وخضتها هنا.
اليوم فقط وجدت نقطة الصفر أو الفكرة الأولى التي جعلتني أخطو هنا، اليوم في نفس هذا التاريخ والتوقيت أخرج من بيتي في جدة لأنطلق إلى المطار، هي صدفة لا أعلم نفس اليوم و التوقيت نظرت فيهما إلى الساعة ودرجة الحرارة صفر وهي نقطة الإنطلاقة لي.
سأكتب الكثير كي أوصل جميع التفاصيل التي مررت بها فهل لي أن أبدأ معكم بهذ اليوم؟
فجر الثلاثاء صعدت إلى الطائرة المتوجهة من جدة إلى باريس وأقلعت الطائرة، الصداع يفجر رأسي لأسباب عديدة وأهمها الرحلة والغربة الفراق وكل شيء.تناولت الكثير من المسكنات ولكن بلا فائدة ست ساعات زمن الرحلة كانت بمثابة الحلم لي، لا أستطيع أن أصدق هل أنا ما فيه حلم أم واقع كل ما أتذكره بعد قليل من إعلان قائد الطائرة استعداده للهبوط أني شاهدت مع شروق الشمس برج إيفل، باريس أراها من الأعلى كشبح يوشك أن يستيقظ وينقض علي وينهي مأساتي.
هبطت الطائرة وهبطت أنا جسدا بلا روح ، اتذكر وأنا أسير في ردهات مطار شارديغول بأرجل لا أستطيع التحكم فيها كالرجل الآلي يسير باتجاه محدد له دون التفكير، ليست هي المرة الأولى التي اطأ بقدمي هذا المطار ولكن هذه المرة تختلف.هل تكفي كلمة غريب كي تصف ما كنت فيه، غريب ليس غريب الوطن بل غريب كل شيء.تعب انا من كل شيء حتى من نفسي ركبت أول تاكسي واتجهت نحو فندق صغير بالقرب من الملحقية الثقافية، صعدت إلى الغرفة صغيرة أكثر من صغر أنفاسي التي تتهالك مني مع كل خطوة كنت أخطوها في الشوارع الباريسية.وضعت حقائبي وتوجهت لإنهاء بقية أوراقي الرسمية فأنا بطبيعتي أحب أن أنهي جميع معاملاتي بأسرع ما يمكن قد يتسنى لي الوقت للتجهيز للخطوة التالية ولكن هذه المرة كانت السرعة لا أعلم لم ولكنها أكيد كانت خطوة نحو الهروب أو البدء في المهم.
انهيت أوراقي وعدت إلى الفندق ، هويت على السرير كمن لم ينم منذ أيام ، اعتدت على السهر وعدم النوم أحيانا لقرابة الثمان و اربعين ساعة بحكم عملي كجراح ولكن أن أسقط هكذا بلا شعور في أقل من أربع وعشرين ساعة هي ليست إلا الدليل على أني كنت أموت من كل شيء ليس فقط التعب الجسدي.استيقظت في الثامنة مساء ، هاتفي المحمول يرن ، أحد أصدقائي ينتظرني أسفل الفندق، نسيت أني تواعدت معه على هذه الساعة قبل وصولي هنا، لبست على عجل ونزلت إليه وانطلقنا، أول أهدافي كانت الحصول على رقم محمول فرنسي كي أستطيع أن أتواصل معهم في جدة ، تعشيت في الشانزليزيه كما يطلقون عليه العرب، لا أرى سوى لوح سوداء في كل مكان حتى في أوجه الناس و المارة.
في اليوم التالي لا جديد انتهيت تماما من اكمال بقية الأوراق و اشتريت تذكرة القطار المتوجه إلى مدينة رويان لدراسة اللغة الفرنسية في اليوم التالي أي صبيحة يوم الخميس ثمان وأربعون ساعة بعد وصولي إلى باريس.تلك الليلة كانت هي بداية المشوار في هذه الرحلة الفرنسية.ليلة الأربعاء قبيل مغادرتي اليوم التالي باريس متوجها إلى رويان غيرت الكثير والكثير في كل شيء، سهرة واحدة مع مجموعة من الأصدقاء في باريس جعلتني أفكر في الكتابة عن رحلتي، سهرة جعلتني متأكد أني لن أعيد الكرة مرة أخرى و سأكمل مشواري وحيدا.
اخر التعليقات